تلوث المياه
الماء هو أهم مقومات الحياة على سطح الأرض بالنسبة للإنسان والحيوان
والنبات، إلا أنه قد يكون سبباً في تهديد الحياة على الأرض إذا كان ملوثاً. وقد
عرفت مشكلة تلوث المياه منذ الأزل، إلا أن تلوث المياه بدأ يأخذ منحى خطير كماً
وكيفاً منذ بداية الثورة الصناعية خلال القرنين الماضيين. ومن أقدم الدلائل
التاريخية على تلوث المياه ما وصف عن تحول مياه نهر النيل إلى اللون الأحمر في
فترات موسم الفيضانات، نتيجة لزيادة العناصر الغذائية الأساسية المحمولة في
النهر خلال هذا الموسم، ما يؤدي إلى زيادة كبيرة في معدل تكاثر الطافيات
النباتية Phytoplankton. ومع ازدياد عدد السكان في العالم المصاحب
للثورة الصناعية تسارع تلوث مياه الأنهار والبحيرات والبحار والمحيطات والمياه
الجوفية، حتى وصل إلى درجة أن الكثير من هذه الأوعية لم يعد قادراً على التنقية
الذاتية. ويُعد الماء ملوثاً إذا تغيرت خصائصه الطبيعية، أو الكيماوية، أو
البيولوجية بطريق مباشر، أو غير مباشر، بسبب نشاط الإنسان بحيث تصبح هذه المياه
أقل صلاحية للاستعمالات الطبيعية المخصصة لها مثل الشرب والاستخدام المنزلي
والصناعي والزراعي، وغيره.
وتشير الدراسات في الربع الأخير من القرن العشرين إلى أنه يصرف في
الأنهار حوالي 160 كم3 من المياه الصناعية سنوياً. وهذه الكمية تكفل تلوث أكثر
من 2000 كم3 من مياه الأنهار النقية. أما مجمل كمية مياه الفضلات السنوية التي
تلقى في الأنهار والبحيرات، فقد كانت حوالي 470كم3 سنوياً؛ ما يكفل تلوث حوالي
5580كم3 من مياه الأنهار والبحيرات سنوياً خلال الثمانينات من القرن العشرين.
أما في عام 2000م فقد زاد معدل تصريف مياه الفضلات إلى حوالي 6000كم3 سنوياً، والكافية
لتلويث 38000كم3 من المياه العذبة في الأنهار والبحيرات سنوياً. وهذا يعني أنه
إذا استمر تلوث المياه بهذا المعدل في المستقبل، فإن العالم سيواجه أزمة مياه
حقيقية في المستقبل القريب.
1. مصادر تلوث المياه
هناك العديد من مصادر تلوث المياه، ويمكن تلخيص أهم هذه المصادر كما
يلي:
أ. التلوث الطبيعي
التلوث الطبيعي للمياه موجود في كل مكان، وكل زمان، فمخلفات
الحيوانات والنباتات تجد طريقها دائماً إلى الماء. فكلما تدفقت المياه الجارية
على السطح التقطت فضلات عضوية ورواسب ومواد معدنية. وقد زاد الإنسان من التلوث
الطبيعي للمياه عن طريق نشاطاته التي تحد من الغطاء النباتي، مثل قطع الأشجار
والغابات، ما يوجد خلل في النظام الأيكولوجي، ويزيد من نسبة الجريان السطحي
ووصول الملوثات الطبيعية العضوية والمعدنية إلى الأنهار والبحيرات. ومع أن
الملوثات الطبيعية هذه قد لا تكون سامة بشكل مباشر كالطين مثلاُ، إلا إنها تحدث
خللاً في النظام البيئي إذ تصبح مياه الأنهار والبحيرات عكرة، ما يقلل من نسبة
الأشعة الشمسية التي تخترق داخل الماء وما يترتب عليه من تناقص الإنتاج النباتي،
ومن ثم انخفاض في أعداد الحيوانات في هذه المياه أو هجرتها كلياً من هذه المياه
إلى أماكن أخرى (وشكل ردم الخزانات المائية) يوضح تلوث
المياه السطحية بفعل انجراف التربة.
ب. التلوث الحراري
يقترن وجود التلوث الحراري بمحطات توليد الطاقة الكهربائية والمصانع
الضخمة، التي تحتاج إلى مياه بكميات كبيرة لعمليات التبريد يتم تصريفها بعد رفع
درجة حرارتها إلى مياه الأنهار والبحيرات. وقد يكون تأثير رفع درجة حرارة المياه
على الحياة النباتية والحيوانية أكبر بكثير من تأثير المواد الناتجة عن المصانع
ومحطات توليد الطاقة نفسها، لأن ارتفاع درجة حرارة المياه يؤدي إلى خلل بالتوازن
الطبيعي يتمثل في:
(1) تغير الخواص الطبيعية للمياه خاصة مدى ذائبية الغازات في الماء
التي تنخفض مع زيادة درجة حرارة الماء ما يؤدي إلى انخفاض محتوى الماء من
الأكسجين المذاب في الماء وبالتالي انخفاض في كثافة الكائنات الحية المائية.
(2) يتأثر نشاط الكائنات الحية بارتفاع درجة حرارة الماء، إذ أنه
يتضاعف معدل التفاعلات الكيميائية، كلما ارتفعت درجة حرارة الماء عشر درجات
مؤية. ويمكن للكائنات الحية، ذات الدم الحار Worm Blooded ، أن تتكيف مع ارتفاع درجة الماء، عن طريق الميكانيكية المنظمة
لحرارة الجسم، أما بالنسبة للكائنات الحية المائية ذات الدم البارد Cold
Blooded ، مثل الأسماك، فإنها لا تمتلك الآلية
المنظمة لحرارة الجسم. لذا نجد أن ارتفاع درجة حرارة الماء، يؤدي الى الاسراع
بجميع العمليات الحيوية، وهذا يعني زيادة نشاط هذه الكائنات ذات الدم البارد،
وما يترتب عليه من زيادة في سرعة عملية التنفس، وبالتالي زيادة الطلب على
الأكسجين المذاب في الماء الذي تقل نسبته في الماء مع ارتفاع درجة حرارة الماء.
فنجد مثلا أن سمك التراوت Trout، يعيش بشكل طبيعي، عندما تكون درجة حرارة الماء ما بين 4,5-9
درجات مئوية، أما إذا ارتفعت درجة حرارة الماء إلى ما بين 9-15 درجة مئوية،فإن
هذا النوع من الأسماك يصبح غير قادر على التقاط غذائه، لأن حاجته للغذاء ترتفع
كثيرا لكي تحافظ على معدل أيض Metabolic مرتفع في الماء الحار. ويموت سمك التراوت، عندما تزيد درجة
حرارة الماء إلى 25 درجة مئوية. وهناك العديد من الحالات التي أدى ارتفاع درجة
حرارة المياه، بسبب التلوث الحراري، إلى هجرة، أو إبادة، الكائنات الحية، التي
كانت تعيش في هذه المياه بصورة طبيعية متوازنة.
وفي بعض الأحيان، يؤدي ارتفاع درجة حرارة المياه، إلى اختلال
للتوازن الحيوي، وذلك عندما يتسبب ارتفاع درجة حرارة الماء، إلى نمو أنواع جديدة
من النباتات، لم تكن موجودة من قبل في هذه البيئة، على حساب النباتات الأصلية،
لأن درجة حرارة المياه الجديدة أكثر ملاءمة لهذه الأنواع. وهذا ينعكس على الحياة
الحيوانية، التي قد لا تستطيع أن تعيش على هذه الأنواع الجديدة من النباتات.
وفي أحيانا أخرى، قد يؤدي ارتفاع درجة حرارة المياه، إلى هجرة
الكائنات الحية، إلى مناطق جديدة، أو إلى خلل في حلقة تكاثر هذه الكائنات الحية،
مما يسبب تناقصا في أعدادها، وبالتالي زيادة في كثافة النباتات التي كانت تتغذى
عليها هذه الكائنات الحية. وهذه الزيادة في كثافة النباتات، تؤدي إلى زيادة
الخلل في لتوازن الحيوي في هذه البيئة المائية، عن طريق حجب جزء من الأشعة
الشمسية عن النباتات والحيوانات، التي تعيش إلى الأسفل من هذه النباتات.
|
تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقا رأيك يهمني